2018-05-17
المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة: تحدٍ فكري وإطار مؤسساتي لبلورة مفاهيم التعاقد الوطني
عبدالحق الصنايبي

 

يمكن اعتبار الثامن من مايو/آيار 2018م، تاريخاً مرجعياً للأقليات المسلمة، وذلك على خلفية إعلان وزير التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، عن إطلاق المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، وذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي للأقليات المسلمة، والذي احتضنت فعالياته أبوظبي تحت شعار «الفرص والتحديات».
في هذا السياق، يمكن اعتبار تأسيس هذا الصرح الثقافي والديني والحضاري، استجابة موضوعية لعقود من الانفلات العقدي والاجتماعي والأمني نتيجة غياب رؤية منسجمة لدى طرفي المعادلة. وهنا الحديث عن الدول الحاضنة للأقليات المسلمة (كمقيمين وكمواطنين)، وكذا الأقليات المسلمة والتي مازالت شريحة واسعة منها تعاني من عقدة تقبل الآخر والقدرة على الانصهار وتوجيه تعبيراتها الفردية والجماعية بما يحفظ الثوابت الوطنية والقواعد القانونية والأخلاقية التي تحكم التعاقد الاجتماعي بين الدول الحاضنة والأقليات المسلمة، مع الحفاظ على المكون الهوياتي الديني كمحدد أساسي للشخصية الرئيسية (بتعبير رالف لينتون) للفرد المسلم في دول الاستقبال والانتماء.
إن استحضار منهج التشريح والتحليل، يفرض على المتخصص في التنظيمات الدينية المتطرفة الإقرار بأن ما يقع في مجموعة من البلدان التي يقطنها عدد لا يستهان به من المسلمين، مرده، وبشكل كبير، إلى انهيار منظومة الضبط والربط، في معناها السياسي والاجتماعي، بين هذه الدول والأقليات المسلمة المقيمة أو المنتمية لها.
على هذا المستوى من التحليل، يبقى من أهداف المجلس العالمي للأقليات المسلمة محاولة تثبيت الهدف الإستراتيجي الأساسي، والمتمثل في الوصول إلى صيغة تعاقد اجتماعي جديد، يقطع مع الانفلاتات التي سُجلت من طرف، سواء أفراداً من الجاليات المسلمة (عمليات إرهابية، رفض الاندماج، التحاق بالجماعات التكفيرية في بعض مناطق التوتر...)، أو في حق الدول الحاضنة (رفض بناء المساجد في الأماكن التجارية، التضييق على بعض التمظهرات الخارجية في الزي واللباس، اتساع ظاهرة الإسلاموفوبيا، بعض التضييق في العمل وضعف مستوى الأجور مقارنة بغيرهم...).
كل هذه التمظهرات المتشنجة، أنتجت مناخاً من عدم الثقة بين المجتمعات المسلمة والدول الحاضنة أو المستقبلة، وهو المعطى الذي استغله بعض المتربصين، من الطرفين، قصد توسيع الهوة وخلق شرخ هوياتي يصعب رتقه دونما بذل مجهودات جبارة تعيد رسم طبيعة العلاقات المفروض أن تسود بين الطرفين.
انطلاقاً من هذا المسح السريع، يُنتظر أن يعمل المجلس، بدعم من المملكة العربية السعودية والإمارات وكذا مساهمة العديد من الشخصيات الإسلامية المؤثرة ووفق تصور إستراتيجي ذكي، على رسم معالم علائقية جديدة تهدف إلى:
الدفاع وتبني المطالب وحقوق الأقليات المسلمة: وذلك من خلال الترافع حول قضاياهم والتدخل لدى الدول الحاضنة لتسهيل ظروف العيش والإقامة على أراضيها بمقتضى الشكليات القانونية التي تضبط شروط الإقامة والعمل، وهو المعطى الذي من شأنه تسهيل وتطبيع العلاقة بين أفراد الأقليات المسلمة وهذه الدول بما يحفظ حقوق الأولى وينسجم مع النصوص القانونية والثوابت الوطنية للثانية.
مساعدة الدول الحاضنة في عملية التأطير الاجتماعي: وهو الهدف الإستراتيجي الذي أصبح يؤرق صانع القرار في هذه الدول منذ سنوات، خصوصاً مع تسجيل مجموعة من التعبيرات الإرهابية العنيفة والتي كان أصحابها، وللأسف، ممن ينتمون لزمرة المسلمين، والذين أدى بهم سوء التأطير إلى الوقوع في فخ التنظيمات التكفيرية وجماعات الإسلام السياسي، والتي تتبنى أطروحات إقصائية عنيفة تضرب في أساس التعاقد الاجتماعي، في ظل رفض هذه التنظيمات الإرهابية الإيمان والاعتراف برابطة «الوطن» كأساس للتعامل بين الشرائح المكونة للنسيج المجتمعي داخل هذا الدول، وهي الأفكار التي لخصها الهالك سيد قطب في مقولته الشهيرة «وما الوطن إلا حفنة من تراب عفن».
إجمالاً يمكن القول: إن المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة يُعتبر فرصة تاريخية يجب استغلالها من طرف المجتمعات المسلمة والتي ستجد فيها خير مدافع عن حقوقها وهويتها وأصالتها بما يضمن اندماجها السليم في بيئة الاستقبال والإقامة، وكذا دول الاحتضان والانتماء، والتي يجب أن تعمل، منذ الآن، على إعادة بلورة سياسة تأطيرية تضمن عدم ارتماء، هؤلاء، في أتون الفكر التكفيري المتطرف، واستغلال وجود مؤسسات إسلامية قادرة (عند تأسيسها) على توجيه المشترك العقدي للأقليات المسلمة بما يضمن انخراطهم السليم في البيئة التي يعيشون فيها ويحافظ عليهم من تيارات التعرية الثقافية والاستلاب العقدي.


نقلا عن "الرياض"

إشترك في اخبار المؤتمر