2018-05-03
المجتمعات المسلمة.. غربة ثلاثية الأبعاد
د.نصر محمد عارف

 

نظراً لتضافر ظروف متعددة اجتماعية وثقافية وسياسية تعاني المجتمعات المسلمة في الغرب من حالة غربة ثلاثية الأبعاد: أولها غربة عن أوطانها السابقة لم تُشفَ منها، وثانيها غربة عن أوطانها الحالية لم تتخلص منها، وثالثها غربة عن دينها وعقيدتها تربك أفكار وسلوكيات أفرادها، ولا يعرفون كيف يخرجون منها.

 

فأما الغربة عن الثقافة والعادات والتقاليد التي تركوها وراءهم في المجتمعات التي هاجروا منها؛ فتفقدهم السعادة والطمأنينة والاستقرار، فلا يستطيعون التمتع بالحياة كما ينبغي لهم ذلك؛ لأنهم يفتقدون تلك الأجواء التي عاشها الجيل الأول، أو سمعت عنها الأجيال التالية، أجواء أسطورية كانت ماثلة في مخيلة المهاجرين، ولا وجود لها في الواقع، كانت هي الدرع الذي يقي المهاجرين الأوائل إلى الغرب الأوروبي أو الأمريكي من الذوبان ونسيان ذواتهم وهويتهم، فتحولت هذه الصورة الأسطورية الى سد منيع أمام التكيف، والاندماج المتزن في المجتمعات الجديدة التي انتقلوا اليها وحملوا جنسياتها.

 

أما الغربة الثانية فكانت نتيجة لتدنى المستوى الثقافي للجيل الأول من العمال المهاجرين الذين لم يستطيعوا أن يوفقوا بين دينهم وعقيدتهم من جانب، وبين ثقافة المجتمعات التي هاجروا إليها من جانب آخر، مثلما فعلت أقليات أخرى كالهنود السيخ مثلا، أو اليهود، أو الصينيين، ولذلك تعاملوا مع واقعهم بصورة حدية صارمة، لا تعرف من الحلول إلا إثنين: إما الاندماج الكامل والتخلي عن الدين، أو الانعزال الكامل للمحافظة على الدين، وقد اختارت الغالبية العظمى الاختيار الثاني.

 

أما الغربة الثالثة فجاءت من ركود الفقه الإسلامي في القرون الأخيرة، وعدم وجود مجتهدين قادرين على تقديم فقه خاص بتلك المجتمعات، كما كان يحدث في قرون الإسلام الأولى؛ حين كان الفقه يتولد تلقائيا من تفاعل مقاصد الدين مع المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون؛ إلى الحد الذي دفع عالما عظيماً مثل الإمام الشافعي إلى أن يغير مذهبة عندما انتقل من العراق إلى مصر، لأنه وجد أن ما كان قد اجتهد فيه ليناسب العراق لا يناسب مصر. حالة الفقر الفقهي الشديد دفعت بالمجتمعات المسلمة في الغرب إلى أن تستنسخ نسخا تاريخية من فقه المجتمعات التي هاجروا منها، هذه النسخ التقليدية لا يمكن أن تتناسب مع المجتمعات الجديدة بأي حال من الأحوال.

 

لذلك وجدت المجتمعات المسلمة نفسها في وضع غريب، لا تستطيع فيه أن تحقق التصالح والتعايش بين دينها ومجتمعها وواقعا الجديد. فانتشرت فيها ظواهر الانغلاق والتطرف، والتمسك بمظاهر التدين مثل النقاب، والمبالغة في إظهار الاختلاف عن باقي المجتمع، رغم أن تلك المجتمعات فيها من المساحة ما يسمح بالتمايز وعدم تدخل أحد في شؤون أحد.

 

وهذا الواقع يستلزم حلولاً عملية جذرية أهمها:

أولا: تحرير المجتمعات المسلمة من العقل العربي أو الشرقي عموما، وذلك من خلال تكوين كوادر علمية، وفقهية تقوم بالدعوة والتدريس، والإفتاء لهذه المجتمعات؛ بحيث يكون تكوين هذه الكوادر الجديدة في معاهد تنشأ خصيصاً لذلك في أوربا وأمريكا، تدمج بين تعليم العلوم الشرعية، وتعليم العلوم الاجتماعية والإنسانية، بحيث يستوعب المتعلم خصائص الواقع ومحدداته، حتى ينزل عليها قيم الشريعة وأحكامها. كذلك يجب أن يكون التعليم في معاهد التكوين هذه قائماً على تعليم المقاصد والقواعد؛ وليس تعليم الفروع والأحكام التفصيلية والفتاوى الجزئية.

 

ثانيا: تحقيق الاستقلال المالي للمراكز الإسلامية والمساجد والمنظمات الإسلامية في الغرب الأوروبي والأمريكي؛ وذلك من خلال إنشاء أوقاف في كل دولة من الدول التي توجد فيها المجتمعات المسلمة، تخضع هذه الأوقاف لقوانين تلك الدول ونظمها ولوائحها، وتتحرر من كل أمراض الأوقاف في العالم الإسلامي.

 

ثالثا: أن يكون الشأن الديني للأقليات المسلمة منظما بقوانين الدول التي توجد فيها، ولا يتم التعامل مع تلك المجتمعات على أنها جاليات أجنبية تابعة لسفاراتها.

 

رابعاً: تحرير المجتمعات المسلمة من سيطرة الجماعات السياسية عليها، وذلك من خلال تمكين الأجيال الحديثة من قيادة منظماتها، ومراكزها ومساجدها، وهذا سيتحقق تلقائيا نتيجة لتحقق الحلول الثلاثة السابقة.

 

إذا تحقق هذا يمكن أن يتم توطين المسلمين والإسلام في تلك المجتمعات، وإذا - لا قدر الله - لم يتحقق ستظل تلك المجتمعات جاليات مغتربة تحلم بالعودة…ولن تعود. وإنما ستظل غريبة في الزمان والمكان والإنسان.

إشترك في اخبار المؤتمر