2018-04-27
المسلمون في فرنسا .. بين الإندماج والانفصال عن المجتمع الفرنسي
د. شاكر نوري

تزداد نسبة المسلمين في فرنسا يومًا بعد آخر بسبب الولادات الأخيرة، فما يزال الفرنسيون يعانون من مشكلة الإنجاب، وثلاثة أبناء تعتبر عائلة كبيرة، المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية INED أكَّد في آخر إحصائياته أن أكبر نسبة من مسلمي فرنسا أصولهم من المغرب العربي؛ غالبيتهم من الجزائريين. وعلى الرغم من أن هذه الاحصائيات والنسب تخضع للأهواء والتخمينات التي تعود إلى أسباب متعددة، فإن تأثيرهم واضح على السياسة الفرنسية. تتضارب الإحصائيات والتقديرات، فهناك مَنْ يقول بأن نسبة المسلمين في فرنسا تبلغ 30 بالمئة بينما إحصائيات أخرى تقول بأن نسبتهم .57 بالمئة من السكان الفرنسيين حسب احصاءات عام 2010. والخطأ ذاته يتكرر في البلدان الأخرى مثل أن نسبة المسلمين في إيطاليا يشكل 20 بالمئة وهم في الحقيقة يشكلون 7.3 بالمئة، وفي ألمانيا يشكلون 21 بالمئة وهم في الحقيقة 5 بالمئة، وفي بلجيكا 23 بالمئة وهم في الحقيقة 7 بالمئة. هذا التضارب لا يغيّر شيئًا من المعطيات، لأن الجالية المسلمة لا تزال تشكّل عقبة أمام الحكومات الفرنسية المتعاقبة، وكل منها يحاول أن يسّن قوانين تعمل على تنظيم حياتها، حسب التوجهات السياسية الفرنسية وخطط كل حكومة. لا بد من الإشارة إلى أن قانون الإعلام والحريات الفرنسيّ يمنع تعداد المواطنين حسب الانتماء العرقيّ، أو الدينيّ، وتشير آخر التقديرات  إلى أنّ عددهم يصل إلى ما بين 5 و 6 ملايين مسلم في فرنسا. 

تسعى فرنسا على طول تاريخها وخاصة بعد الحقبة الاستعمارية على التعامل مع الإسلام بطريقة تختلف عن جميع سياسات القارة الأوروبية، وخاصة في تعميم فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، لأنها ببساطة تريد إسلامًا حديثًا ومسيطرًا عليه من خلال التنظيمات المعترف بها.  ولكن هناك على الدوام تناقض ما بين تطلعات الجالية المسلمة وبين السياسات الفرنسية المتعاقبة، الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون شدد في خطاباته الموجهة إلى الجالية المسلمة على علاقة العلمانية بالإسلام، والعلمانية الفرنسية تعني احترام الأديان الأخرى، واعتبارها شأنًا ذاتيًا وإنسانيًا خاصًا، تحترم القوانين والدساتير الفرنسية منذ عام 1905، هذا القانون الذي يشكل عصّب السياسة الفرنسية تجاه المسلمين والمجتمعات الدينية الأخرى. ولكن رغم كل هذه الجهود لم يُحسم هذا الموضوع  بعد، بل تُرك إلى السياسات المختلفة. من ناحية أخرى، تحاول فرنسا الرسمية أن تعيد هيكلة الجالية المسلمة من جديد وفق تصوراتها وسياستها الرامية إلى إنشاء إسلام حديث بمعايير الجمهورية الفرنسية، ومن خلال طرح المفهومين الأساسيين في النظر إلى الإسلام: إسلام فرنسا والإسلام في فرنسا، أي بمعنى أن فرنسا تريد إسلامًا منبثقًا من الواقع الفرنسي ومن الجيل الثالث الذي يعتبر ثمرة التزاوج بين العلمانية والإسلام.

إن فرنسا حائرة في التعامل مع نوعين من الإسلام، وتطرح السؤال الجوهري: هل الإسلام الذين تدين به الجالية المسلمة  آت من الخارج أو أنه من صميم المجتمع الفرنسي؟

لذلك سعت فرنسا بكل الطرق أن تؤسس هيكلية تحتوي مسلمي فرنسا من خلال المجلس الفرنسي للديانة الإسلاميةو CFCM ومؤسسة جامع باريس، ومؤسسة الإسلام، وجامعة تكوين أئمة المساجد وغيرها من التنظيمات التي تتجاذب أفراد الجالية المسلمة وتسعى إلى أن تفرض عليها هيمنها بشكل من الأشكال. ولعل أهم ما تخشاه فرنسا هو التأثيرات الأجنبية على مسلمي فرنسا، أي التأثيرات الفكرية والسياسية الخارجية التي أدت إلى انتشار العنف والإرهاب والكراهية بين الجالية المسلمة، وجندّت عددًا كبيرًا منهم للإلتحاق بما يسمى الدولة الإسلامية "داعش" حتى كادت مدن مثل الرقة السورية أن تتحدث باللغة الفرنسية.

هناك تجاذبات كثيرة بين مسلمي فرنسا، فعلى سبيل المثال وليس الحصر في منطقة شاتودان، في  مقاطعة لو أي لوتار، حيث  يوجد مسجدان، تركي ومغربي، يتعايشان، أحدهما بجوار الآخر، وهؤلاء المسلمين يختلفون في توجهاتهم لأنهم نشأوا في بلدانهم ويحملون أفكارًا بعيدة عن العلمانية التي تبشّر بها فرنسا والتي تسعى إلى تشكيل إسلام بنظرة حديثة. وهذا ما أدى بالحكومة الفرنسية إلى التشدد في اختيار أئمة المساجد ضمن قيم ومعايير مغايرة لما كان سائدًا وسيطرت الأموال والتبرعات المتدفقة إلى فرنسا لأنها أدركت أن العناصر الإرهابية خرج بعضها من هذه المساجد ما جعل الثقة المتبادلة بين الجالية المسلمة وفرنسا تتزعزع، بسبب ظهور الإرهاب ورحيل بعض المسلمين الفرنسيين إلى جبهات الصراع والإرهاب.

وفي حقيقة الأمر هناك تناقضات ظهرت إلى السطح في التوجه العلماني ذاته إذ أن الجمهورية الفرنسية تؤمن بالتوجه العلماني وليس بالضرورة المجتمع، وأكبر دليل على ذلك ظهور الأحزاب اليمينية المتطرفة واقترابها من الوصول إلى السلطة في الانتخابات. لذا فإن المجتمعات قادرة على التعبير عن نفسها ضمن الفضاء العام الفرنسي المتعدد. وهذا يعود إلى تطرف الجانبين، أي انتشار العنف في أوساط الجالية الفرنسية من جهة، وتصاعد الخطابات المشحونة بالعنصرية من طرف الأحزاب اليمينية الفرنسية المتطرفة، وخاصة انتشار مصطلحات مثل "حرب الحضارات" السيء الصيت وانتقاله إلى الذهنية الشعبية الفرنسية. وعلى الرغم من تسامح المجتمع الفرنسي وانفتاحه على المجتمعات الدينية والعرقية الأخرى إلا أن الإسلاموفوبيا شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، وعلى الخصوص بعد هجمات باريس الأخيرة، وهذا ما زعزع الثقة بين الجالية الفرنسية والحكومة الفرنسية، ولذلك تدعياته الكبيرة على مسار المجتمع بكل فئاته.

إشترك في اخبار المؤتمر