2018-03-02
الحمولة الثقافية تعيق اندماج الأقليات المسلمة
د.نصر محمد عارف

ارتبط نهوض المجتمعات وازدهارها بهجرات البشر وانتقالهم، فعادة يكون المهاجرون إضافة نوعية للبلاد المستقبلة لهم، حيث يأتون بخبرات ومهارات وإمكانيات جديدة، تفيد مضيفيهم، وتنهض بمجتمعهم الجديد، ولا يحدث هذا إلا بعد أن يندمجوا في هذا المجتمع، ويصبحوا جزءاً منه، ويكتسبوا ثقافته وقيمه ومعاييره الى الدرجة التي تجعل من الصعب تمييزهم عن باقي افراد المجتمع الاصليين. يحدث كل ذلك وهم محتفظون بدينهم وعقيدتهم ومسلمات حياتهم، بحيث يكونون مندمجين ثقافيا متمايزين دينياً.   في كتابه الرائع “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم (مصر ما بين 1835-1833)”، تناول “إدوارد وليم لاين” تأثير المهاجرين الشوام من المسيحيين والمسلمين على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مصر، وكيف كان المصريون يطلقون على المهاجر الجديد اسم “مصرلي” أي المنتسب لمصر، على وزن عثمانلي أي المنتسب للدولة العثمانية، هؤلاء المهاجرون تمصروا ثقافة ولغة وعادات وتقاليد وفي كل شيء، ولكنهم احتفظوا بعقائدهم الدينية، ومذاهبهم الإيمانية، فظل الأرمن بنفس الأسماء والعقائد الى تاريخ اليوم، وكذلك فعل جميع من جاء الى مصر.   نفس المثال حدث في الولايات المتحدة، جميع المهاجرين تأمركوا، وصاروا جزءا من الثقافة الأمريكية، واحتفظت كل جماعة بخصوصياتها الدينية والعقائدية، فالكاثوليك احتفظوا بدينهم، وكذلك اليهود حافظو على دينهم وطعامهم، ولباسهم، ولكنهم أصبحوا أمريكان منذ الجيل الأول أو الجيل الثاني على الأكثر، لأنهم أدركوا الفارق الكبير بين الدين والثقافة، وأن الإنسان لكي يعيش في أمريكا لابد أن يكون أمريكياً دون أن يفقد خصوصيته الدينية، هكذا فعل المهاجرون المتأخرون في الهجرة مثل الهنود، اندمجوا بصورة سريعة في المجتمع الأمريكي وحافظوا على عقائدهم، وشعار دينهم مثل العمامة بالنسبة للسيخ، ولم يمنعهم ذلك من أن يكون منهم وزير دفاع كندا، أو ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة.   هذا القانون الاجتماعي التاريخي التزمت به جميع أجناس الأرض وشعوبها إلا المسلمون، كانوا هم الوحيدون الذين يهاجرون لمجتمعات جديدة، لا يندمجون فيها، ومن يندمج يترك الإسلام جملة وتفصيلاً، ومن أراد أن يحافظ على الاسلام يظل منعزلا عن مجتمعه في أحسن الأحوال معادياً له، كارها لأهله الذين استضافوه، محارباً لهم، يتمنى أن يتخلص منهم في غالب الأحوال…وهنا يثور السؤال… لماذا المسلمون دوناً عن العالمين فشلوا في إيجاد صيغة للتوفيق بين الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، والمحافظة على دينهم وعقيدتهم؟، لماذا المسلمون دوناً عن باقي المهاجرين يظلون في عزلة عن مجتمعات هجرتهم لأجيال متتالية؟ ولماذا يزداد العداء لمجتمعات هجرتهم مع الأجيال الثانية والثالثة التي ولدت في هذه المجتمعات؟   الجواب؛ بمنتهى البساطة ودون الإخلال بالحقيقة؛ أن المسلمين المهاجرين لم يستطيعوا التمييز بين الدين والثقافة، لم يعرفوا الفارق بين الإسلام من جانب، وتقاليد وعادات مجتمعاتهم التي هاجروا منها من جانب آخر، لم يدركوا أن الثقافة التي اكتسبوها من المجتمعات التي دفعتهم للهجرة ليست هي الدين، ولا يجب التمسك بها والموت في سبيلها. إن المسلمين خلطوا بين الدين والثقافة، بين العقيدة والعادات والتقاليد حتى صار الدين ثقافة، والعادات عقيدة. خرج المسلمون من ديارهم بحمولة ثقافية ثقيلة، حملوها معهم الى ديار هجرتهم، وتشكلت جالياتهم طبقاً لأوطانهم التي تركوها، ترسخت لديهم قناعة بأن هذه الثقافة، وتلك العادات والتقاليد هي الإسلام ذاته، وأنه إذا تخلوا عنها فقد يضيع دينهم، ويفقدوا أعز ما يملكون، لذلك تمسكوا بها، ورفضوا ثقافة المجتمعات التي هاجروا إليها، وظلت هذه الثقافة حاجزاً شديداً بينهم وبين ديار هجرتهم، والمجتمعات التي صاروا يحملون جنسيتها، ويبنون  مقابر فيها،  ظلوا متمسكين بثقافتهم السابقة، وهم يعلمون أنهم لن يعودوا اليها، حالة عجيبة تستحق دراسات سوسيولوجية وأنثروبولوجية معمقة.   وسنضرب مثالا واحداً لتوضيح هذه الفكرة، تعالوا ننظر الى الفارق بين الجاليات العربية وإخوانهم من شبه القارة الهندية، سنجد فارقاً واضحاً لن تخطئه عين، سنجد الجاليات العربية تهتم كثيرا بحجاب النساء، وتفتح محلات لبيع الحجاب ومستلزماته، وإخوانهم من شبه القارة الهندية منشغلون بالذبح الحلال والطعام الحلال…. لماذا؟   لان الطعام للعربي لم يكن مشكلة في ثقافة وطنه السابق، ومجتمعه الذي هاجر منه، لأن كل طعام العرب بالنسبة لهم حلال، لانهم لم يعيشوا إلا مع إخوانهم من أهل الكتاب المسيحيون واليهود، وطعام أهل الكتاب حلال، ولكن العربي مشغول بنسائه وسترتهم وشرفهم وسمعتهم، أما مسلمو شبه القارة الهندية فموضوع الطعام الحلال مشكلة تاريخية؛ لأن مكونات مجتمعهم مختلفة خصوصاً في موضوع الطعام. كلا المجموعتان ذهبتا الى بلاد المهجر بهمومها الثقافية، وخلفياتها المجتمعية، ورواسب تاريخها وتحدياتها الوجودية.   وقد نسي هؤلاء جميعا كيف تشكلت مجتمعاتهم ذاتها، فعند دخل الإسلام الى شبه القارة الهندية لم يعرِّبها، ولم يحولها الى نسخة من جزيرة العرب، بل ظهرت نسخة هندية من الإسلام في كل شيء، في عمارة المساجد، وفي الأزياء وفي العادات والتقاليد، وفي الأطعمة…الخ، وكانت اضافة رائعة للإسلام والمسلمين، قدمت بعداً حضارياً متميزاً، ونفس الأمر عندما دخل الإسلام مصر وشمال أفريقيا ووسطها وغربها وشرقها، لم يتم تعرِّيب هذه المناطق، ولم تتحول الى نسخة من جزيرة العرب، بل صار لكل منطقة منها نسختها الخاصة من الإسلام في كل شيء، وهكذا في وسط اسيا والصين وجنوب شرق اسيا والبلقان….فلماذا لا تنشأ نسخة أوربية أو أمريكية أو استرالية من الإسلام؟   لماذا تحرص الأقليات المسلمة في هذه المناطق أن تعيش كما كانت تعيش في المجتمعات التي هجرتها؟ لماذا يعتقد هؤلاء أن الحفاظ على ثقافة التخلف التي جاءوا بها هو حفاظ على الإسلام؟ قد يجيب البعض أن الاندماج سيقود الى ارتكاب المحرمات … وهذه للأسف خرافة كبرى فهناك في تلك المجتمعات في أمريكا وأروبا وأستراليا مكونات من المسيحيين واليهود لا يأتون بأفعال تعتبر من محرمات الإسلام، فديانة المسيحيين المورمون مثلا تحرِّم الخمر وجميع مشتقاتها حتى القهوة والشاي، وتحرم أي علاقة بين رجل وامرأة خارج الزواج، وهم من أكثر الامريكيين نجاحا وتفوقا وتميزاً، وغيرهم كثيرون خصوصا من اليهود.   إذن الاندماج الثقافي لا يعني التخلي عن الدين، ولكن الذين خلطوا بين الدين والثقافة، يحافظون على الثقافة لأنها عندهم دين.

إشترك في اخبار المؤتمر